دلالات وجود الطرف الثالث الخفي

إنَّ الحَياةَ لا تَخلُو مِنْ عَكَراتِها وَلا تَصفُو مِنْ أكْدارِها وكُلُّ ذَلكَ بِقَدَرٍ، فَلَقَدْ خُلِقَ الإنْسانُ في كَبَدٍ، مُكابَدَةً لِنَفْسِهِ وَلِلشَّيْطانِ وَلِمتاعِبِ الحَيَاةِ وَمشاكِلِها، فَيَهزِمُ وَيُهْزَمُ، يَضْحَكُ وَيَبْكِي، يَفْرَحُ وَ يَتْرَحُ، وَلَكِنَّ الغَضَبَ هُوَ أَوضَحُ مَشاعِر الإنسانِ في تَصَرُّفاتِهِ وَهُوَ أَكثرُ ما يُكَدِّرُ صَفْوَ حَياتِهِ فَهُوَ مِفتاحُ المَشاكِلِ الأُسَرِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ وَ بابٌ مِن أبوابِ الشَّيْطانِ و جامِعُ الشَّرِّ كُلِّهِ فَبِهِ قَد تَنْقَلِبُ حَياةُ المَرْءِ رأساً على عَقِبٍ فَمِنْ صَفاءٍ إلى كَدَرٍ وَمِنْ هَناءٍ إلى غَمٍّ و مِن سَعَادَةٍ إلى تَعاسَةٍ.
فَكَمْ مِنْ مُشكِلَةٍ بَينَ الأبناءِ وطَلاقِ الأزواجِ وقَطيعَةِ الأرْحامِ وَمُجافاةِ الأقارِبِ كانَتْ نِتاجَ غَضَبٍ عارِمٍ تَبِعَهُ تَصَرُّفٌّ شائِنٌ أو سُلوكٌ مَذْمومٌ لا يَستَدعيهِ أيُّ سَبَبٍ أو دافِعٍ .
وَهُنا أسألُ الغاضِبَ: هَلْ تَستَحِقُّ هَذهِ المُشكِلَةُ كُلَّ هَذا الغَضَبِ وَ تَبِعاتِهِ مِن خِصامٍ وقَطيعَةٍ؟
فَإذا كانَ الجَوابُ (لا) بِنِسبَةِ 70% فَأكْثَر، إذاً فَالمُشكِلَةُ في أصْلِها لا تَستَحِقُّ كُلَّ ذَلكَ، وَمَعَ ذلكَ فَقَدْ حَصَلَ ما حَصَلَ وَقَدَّرَ اللهُ وما شاءَ فَعَلَ، وَلَكنْ بِما أنَّ لِكُلِّ سَبَبٍ مُسَبِّبٍ فَلْنَتَحَرَّ أسبابَ هَذا الغَضَبِ بالإجابَةِ عَلى الأسئِلةِ التالِيَةِ:
هَل أنتَ سَريعُ الغَضَبِ ، سَريعُ الثَورانِ ، تَهيجُ كَالبُركانِ ، وَتَعْتَريكَ نَفضَةٌ كالغَلَيانِ؟
هَل تَستَرجِعُ ذِكرياتٍ مُؤلِمَةً تُؤَجِّجُ مَشاعِرَ الغَضَبِ في صَدرِكَ على زَوجَتِكَ أو وَلَدِكَ وَتُحسُ حينَها بِشئٍ في صَدرِكَ يَغلي كَغَلَيانِ القِدْرِ؟
هَل تَتَرَدَّدُ في ذِهنِكَ مُشكِلَةٌ مُحَدَّدَةٌ كُلَّ حينٍ وَساعَةٍ فَلا تَنْفَكُّ مِن عَقْلِكَ إلاّ وأنتَ مُنْهَكُ التفكيرِ؟
فَإِذا كانَ الجَوابُ بِنَعَم ، فَاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ سِمَةٌ مِن سِماتِ طَرَفٍ ثالِثٍ خَفِيٍّ !
فَلَعَلَّكَ مُصابٌ بِحَسَدٍ أو لَعَلَّهُ تَعَدَّى عَلَيْكَ ظالِمٌ بِمَسٍّ شَيطانِيٍ ودَخَلَ بَدَنَكَ لِيُفَرِّقَ عائِلَتَكَ أو لَعَلَّ أحداً من العائِلَةِ مَسحورٌ وَيَتأَثَّرُ بِسَبِبِهِ الجَميعُ .
وَهذا جُزءٌ مِن قِصَّةٍ واقِعِيَّةٍ تُعَبِّرُ عَمَّا سَبَقَ وَتُبَيِّنُ أعراضَ وُجودِ الطَّرَفِ الثَّالِثِ الخَفِيِّ:
"وَ يَبْقَى السُؤالُ، كَيفَ لي بِمَعرِفَةِ ما هُوَ دَفينٌ، إنْ كانَ ما بِداخِلي لَعينٌ؟
يُوقِعُ بَينَنا، فَظَلَمتُ زَوجَتي الحَبيبَةَ، بَعدَ أنْ تَزَوَّجْتُها مِن بِلادٍ بَعيدةٍ، وَبِتُّ أشُكُّ وأقولُ، هَذِهِ مِنها مَكيدَةٌ.
لَم أكُنْ أدْرِي أنَّ بِداخِلي جِنِّيَةً، أعْماها الهَوى فَلَمْ تُبْقِ لِقَلْبِي حِنِيَّةً
تُؤَجِّجُ صَدْري فَأصْبَحْتُ كَالطَّاغِيَةِ، أُصْبِحُ جَلاَّداً وَأُمْسي كَالزَّبانِيَةِ
أُحِسُّ بِبَرْدِ قَدَمَيَّ في نَوْمي وإنْ دَثَّرْتُها بِاللِّحافِ، وَكَذلِكَ حالُ أنامِلِ الأكُفِّ وَ أصابِعِ الأطرافِ كأنِّي واضِعُها في ثلجٍ ، وما سِرُّ وَجَعِ الرُّكْبَةِ فَقَدْ يَئِسَ الطَّبيبُ مِن عِلاجِها، يَقولُ هذا داءُ العَصْرِ، ألَمْ يُنْزِل رَبِّي دَوَاءَها؟
أَلَيْسَ لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ؟ نَعَمْ ، عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ وَكثيرٌ مَنْ جَهِلَهُ.
أمَّا عَيْنكَ الجَميلَةُ، فَلا تَدْري ما عِلَّتُها، لا تُواصَلُ القِراءَةُ بِها، دائِما تَنْثُرُ الدمعَ على وجْنَتِها،
وتِلكَ ما خَبَرُها، لا تَتَرُكُها الصَّدَفِيَّةُ، تُصاحِبُها مُذْ كانَتْ صَبِيَّةً، هَل هِيَ إنسانةٌ أم مَحارةٌ، فَأَمْسَتْ مَنبوذَةً في الحارَةِ.
أشتكي من الشَّعرِ، وتَسَاقُطِهِ بِلا قَدْرِ، مِن فَروَةِ الرَأسِ و بِلا قِياسٍ، حَتى صرْتُ أهرُب من النَّاسِ، أمَّا الاكزيما فَجَعَلتْني أَحكُّ الجِلْدَ بالأضْراسِ، وأخْجَلَتْني القِشْرَةُ وَ جَرَحَتْ إحساسي.
فَكَم وَكَم زَارَني الطَّبيبُ ، بَعد َأنْ هَجَرني الحَبيبُ
أمراضٌ وأسقامٌ، صَرَفْتُ عَليها الدِّرهمَ والفُلوسَ، أرجو العلاجَ وأبحثُ لِأُريحَ النُّفوسَ، بَلَغْتُ مِنَ العُمرِ الثَّلاثينَ و حالي كَمَنَ بَلَغَ السِّتينَ ، هَرَمْتُ كَمَنْ يَحمِلُ مِنَ الأوْزانِ رِطْلَيْنِ ، أيُعْقَلُ أنْ يَكونَ كُلُّ هذا من الجِنِّ والعَيْنِ ؟
ألَمْ تَرَ ابْنَكَ يَعوي عواءَ الذِئابِ ؟ يَختَرِقُ الأسماعَ ويأخُذُ بالألبابِ؟ يُعْلِنُ بَدءَ الآلامِ وَ يَتَلَوَّى مِن نُصبٍ و عَذابٍ، وَ شِدَّةٍ و يأسٍ، يَبحَثُ عَن بارِقَةِ أمَلٍ ، وَإذا أشرَقَت الشَّمسُ أشْرَقَ مَعَها وَجْهُهُ كالبَدرِ، كأنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ما كانَ بالأمْسِ.
يُصبِحُ المَرءُ في حِيرَةٍ ، لا يَعرِفُ خَطأً مِنْ صَوابٍ ، يَبحَثُ عَن وَميضِ أمَلٍ ولا يَعْرِفُ سَبيلَ عَمَلٍ ، يَأمَلُ خَلاصاً ولا مَناصاً، لِيَطْرُدَ هذهِ اللُّصوصَ، فَلا خَلاصَ إلاَّ بالآياتِ الشَّافياتِ وَالأدْعِيَةِ الكافِياتِ فَما هِيَ إلا فِتَنٌ وابتِلاءاتٌ يُمَحِّصُ اللهُ بِها النَّاسَ تَمحيصاً وَيِشفيهم بِإِذنِهِ – سُبحانَهُ - مِن جُنودِ إبليس.
فَهَذِهِ مُعاناتي وُبَعضُ علاماتي ، إلَيْه سبُحانهُ أشكو بَثِّي وحُزنِي ، لَعَلَّهُ يُشفِقُ عَلَيَّ وَيَرْحَمُني.
نَعَم، هَذهِ بَعضُ أعراضِ وُجودِ الطَّرَفِ الثالِثِ الخَفِيِّ والَّذي لا أصِفُهُ إلاَّ بالمُجْرِمِ ، فَكَم مِن مُعاناٍة تَكَبَّدَها إنْسِيٌ بِسَبِبِه، فَهُوَ يَقومُ بِجَرائِمِهِ في وَضْحِ النَّهارِ و في غَسَقِ اللَّيْلِ وَ متى شاءَ وكَأَنَّ اللهَ لا يَرَاهُ ، حَسْبُنا اللهُ عَلَيْه.
ولكِنْ ما مِنْ جَريمةٍ إلّا وَلَها بَصَماتُ المُجْرِمِ وآثارُهُ لِيَفْضَحَهُ اللهَ مهَما أخَذَ حَذرَهُ، وَكَذلِكَ الجِنِّيُ المُتَلَبِّسَ بالإنسِي، لابُدَّ أنْ تَكونَ لَهُ علَاماتٌ تَفضَحُهُ، عَرَفَها مَن عَرَفَها، وَجَهِلَها مَن جَهِلَها ومِنها مَثلاً ما ذُكِرَ في القِصَّةِ آنِفاً وَ أُضِيفُ إلى ذلكَ:
بُرودَةَ أطرافِ اليَدَيْنِ أو الرِّجْلَينِ أو كِلَيهِما معاً، فأحياناً يَلْبسُ المَريضُ الجَوَارِبَ مِن شدة بَرْدِ قَدَمَيْهِ، كَذلكَ عَدَمُ الرَّغبَةِ في الوُضوءِ بِالمَاءِ البارِدِ في الصَّيْفِ ولا الاستِحمامِ إلاَّ بالماءِ الدَّافِئِ وَ كَأَنَّهُ مِن أصْحابِ الدِّمِ البارِدِ وأخَوَاتِها.
أمَّا الصُدَّاعُ المُتَنَقِّلُ في الرَّأسِ فَحِدِّثْ و لا حَرَج.
وكَذلكَ إذا شَعَرَ المَريضُ بِأَلَمٍ في أكْتافِهِ وَلَمْ يَعرفْ لَهُ سبباً، أو ضِيقٍ في صَدْرِهِ وَلَمْ يَعلَمْ لَهُ خَبَراً، أو حَرَقَةٍ في بَطنَهَ ولَمْ يدرِ مَن ألْهَبَهُ جَمرَاً أو اسْتيقَظَ مِن نَوْمِهِ وشَعَرَ بِتَنميلٍ في جَنْبِهِ أو تَخديرٍ في طَرَفِهِ أو لَمْ يَستَطِعْ في الصَّباحِ قَبْضَ يَدِهِ، فَكُلُّ ذلكَ أماراتُ وُجودِ الطَّرَفِ الخَفِيِّ.
وَأنا بِدَوْري أُقَدِّمُ لَكَ النَّصيحَةَ بِأنْ تُباشِرَ بِالرُّقيَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَسَتَجِدُ نَّتيجَةً مُرْضِيَةً ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى
أسْألُ اللهَ لي ولَكُم العَافِيَةَ والمُعافاةَ في الدُّنيا وَالآخِرَةِ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشْرَفِ الأنْبياءِ والمُرْسَلينَ.















