راعية الغنم والجني الثعبان
راعية الغنم والجني الثعبان
كانت ترعى الغنم ، ولا تعرف المس واللمم ، ولا خبط الشيطان ، ولا الجني الثعبان ، ولم يخطر لها ذاك على بال ، بدوية ، شديدة قوية ، بماء الشباب رَيَّانة ، وبنبض الحياة ملآنة ، في الخامسة والثلاثين ، لا مرض في جسدها تشكوه ، ولا داء بالدواء تجلوه ، ممشوقة القوام ، نشيطة على الدوام ، وكم هي اليوم سعيدة في باديتها البعيدة ؟ ، بل كانت أشد سعادة مما كانت ، فههي ترى أطفالها الصغار هنالك يجرون ، ويرتعون حيث يلعبون ، فلا شيء يكدر صفاء طفولتهم ، ويعكر سماء فرحتهم ! ، ترعاهم قبل أن ترعى مواشيها ، وتحرسهم قبل أن تحرس فواشيها ، ترعى الأغنام ، وتسلك بها من الذئاب سبل السلام ، تهديها إلى المرعى الخصيب ، والكلإ الغض الرطيب ، وَتَرِدْها عذب المياه ، من كل بئر بماء السماء محلاة ! .
لله يومها هذا في عينيها ما أجمله ؟! ، تَفَتَّقَتْ أزهَارُه ، وغردت على أفنان أيكها أطيارُه ، أعلن عن نفسه حُضُورُه ..وحل في قلبها حُبُورُه .. فأخذت من الفرحة ، تهش على غنمها لترعى ، وهي لا تعلم أن الدهر يلد كل عجيبة ، وأن ساعتها هذه حُبْلَى بمصيبة ! ، قد آن أوان ولادتها ، لتلبس ثياباً حاكتها ، فهذا اليوم هو يوم الجني الثعبان ، قد جاء على قدر له شأن ! ، ما أسوءَ حظَّهَا من إنسان ، بل وحظَّكَ أيضاً يا ثعبان ؟؟! ، آالآن ، الآن ، آالآن ، جئت لتخيف الصبيان ؟! .
تعالت صيحات الأطفال عند رؤيته في الحال ، صيحات رعب انطلقت من الحناجر ، فوقعت في قلب الأم كالخناجر ، لله المصائب كيف تحل ، وتَفْجَأُ ، وتدهم المرء بمرة على حين غِرَّة ؟! ، ـ فأخذت للثعبان الحجر ، وهي لا تعلم مخبوء القدر ، لعل الحجر قال لها : دعيني ، بل ضعيني ! .. ـ فـ رب سلاح قال لصاحبه : ضعني ، ـ .. ربما .. لكن لم تفقه لغة خطابه ! .
ولعل الثعبان قال لها : لا تضربيني ، خلِّيني أمُر لشأني ، خلِّيني ! .. ربما .. غير أنها لم تسمع نداء الحقيقة الصَّمَّاء .. وَأَرْسَلَتِ الحجرَ ـ في ضربة عَنُودٍ عَاتية ، انتهزتها في لحظَةٍ سَرِيْعَةٍ مُوَاتِيَة ! ـ ، صوب ظهر الثعبان ، الذي حاول أن يروغ ، ويزوغ .. وقد أحس أن الخطر أدركه .. ولكن ؛ أين المفر ؟ ، لا وزر .. ـ كانت القاضية لها قبل أن تكون له ـ ، حاول الثعبان للوهلة الأولى أن يتحرك ، فلم يستطع ، حاول من جديد فعجز ، وحاول ثم حاول ، فتحرك قليلاً بعضه دون سائر جسده ، وأخذ يحاول ، لم يفقد الأمل في النجاة ، والزحف من أجل الحياة ، وهي قائمة تنظر ، ماذا سيكون من أمره ؟ ، لقد فقد السيطرة على جسمه ، ولم يعد يستطيع الانسياب ، هكذا تراه ، نعم ، حل بالثعبان أمر تباب ، أورده العجز ، والعذاب ، فقد كسرت بالفِهْرِ ظهره ، واكتفت لسوء حظها بهذا فلم تُجْهِزْ عليه ، ليتها فعلت ، لكن أنَّى تدري أن ضربتَهَا قد حَطَمَتْ سعادَتَهَا ؟! ، وأن سعادتها هذا يوم نهايتها ! ، ومصيبتها هذا يوم بدايتها ! .
تحركت المرأة ، جمعت أطفالها ـ وكلها خوف عليهم ـ ، وحاشت أغنامها ، وجاءت بهم البيت لفيفا ، وما إن وصلت حتى صُرعتْ صرعاً مُريعاً مُخيفا ، وحلَّ بها أمر جَليل ، ونزل بها خطب وبيل ، فأخذت تقوم ، وتقع ، وتغير لونـها وامتقع ، وجحظت عيناها ، وانتفخت أوداجها ، وخداها ، وجاء أهلها ، وذووها ، واجتمع حولها أخوتها وبنوها ، ظنوها تموت ، وهم الذين لا يعرفون كيف الإنسان يموت ؟! .. كلموها .. ولكن لا تتكلم ، خاطبوها .. ولكنها تتخبط ، فأخذوا يجرون بها هناك وهناك ، بين المشعوذين ، والدجالين ، وقِبَلَ السحرة الملاعين ، تراهم مهطعين ، فلا يعرفون من الرقية والعلاج ، ـ فِجَاجاً ـ ؛ غير هذه الفجاج ! .
وجاءهم الخبر اليقين بعد حين : الثعبان ، إنه جان ، ونطق الجني الثعبان ، وأخذ يهدد ويعد ، ويُرغي ويزبد ، وحاولوا إخراجه ، فأقاموا حفلات الزار ، وذبحوا الدَّجَاجَـ ـا ! ، والخرافَ ، والنِّعَاجَـ ـا ! ، ولكن .. ما استطاعوا له إخراجـا ، ولم ينفع معه شيء ، وكأنَّ الثعبان الجني مَيْتٌ ، وليس بحي ! ، ثم وقفوا أمامه عاجزين ، ـ جمهورهم ، مع السحرة والمشعوذين ، وأسلموها لقدرها خاضعين ، فقد كان الجني الثعبان ، قدراً مقدوراً له شأن ! ، رماها عن قوس انتقامه ، بسهم آلامه ، فما أخطأها ، أصاب مُهْجَتَهَا ، وَبَذَّ مُقْلَتَهَا ، وذهبت حفلات الزار ، وخلفت في الدار الخراب بعد العمار .
وبعد خمسة وثلاثين عاماً جئت على قَدَرٍ لأقف على قصتها ، وأسمع بحكايتها ، وقد حَصْحَصَ الثعبان فيها ، فلوى يديها ، وعوَّج ساقيها ، وعن القيام أقعدها ، وبالخنق كل ليلة أجهدها ! ، هدمها كما هدمته ، هدماً بهدم ، وصرعها كما صرعته ، صرعاً بصرع ، والخنق زيادة .
كانت عجوزاً في السبعين لم يبقَ لها من عمرها إلا ظِمْءُ حمار ، ولم تكن تعرف الرقية ، ولا الأذكار ! قالت لي : يابني ماذا ستفعل لي ؟! فقلت : سأقرأ عليك القرآن ، قالت : سيزيدني فوق العذاب عذابا ، ويجعل ليلي تباباً يبابا ، يا بني ، يخرج عليْ ، والناس في نوم هنيْ ، كل ليلة ، ويلف جسمه حول رقبتي وعنقي ، وينصب لي المشانق والعيدان ، فيشنقني ، ويخنقني ، ويركب أحلاسي ، ويكاد يخرج أنفاسي ! ، وأتعذب بخنقه ، وحبل شنقه ، من غير أن أموت ، وأحياناً يخرج ، ويتمدد على ذراعي ، ثعبان أحمر ، أقصر من باعي .
فآلمني حالها ومقالها ، مما رأت عيناي ، وسمعت أذناي ، ومما زادني ألماً أن علاجها يحتاج إلى زمن طويل ، وأنا على سفر في أرض غربة ، وكنت التقيت ابن أخيها فجأة ، وكان صديقاً من أصدقاء الدراسة القدامى كاد أن يذهب بتطاول السنين من الذاكرة رسمه ، ويدرس اسمه ، ولما علم أني أعالج الناس عرض عليَّ حالة عمته هذه ، ودعاني إلى علاجها ، ورقيتها ، فأعتذرت عن ذلك بدواعي السفر ، فألح عليَّ ، وأحفى السؤال ، وعرض عليَّ أن أقيم عنده وأقتطع من أيام سفري يومين أو ثلاثة لعل الله أن ييسر.. فاستجبت غير طربان على استحياء تطييباً لخاطره ، ووافقته على يومين ، وأنا على يقين أنني سأذوق في علاجها الأمرَّيْن ، فالجني الذي في جسدها زَمِيْنٌ مكين .
عندما قالت لي العجوز : سيعذبني إذا قرأت عليَّ ، قلت لها : يا عمة لا تخافي سأنهكه الليلة بالقراءة ، فينشغل بنفسه عنك ، فلن يخنقك كعادته ، أو يضرك إن شاء الله بشيء ، فاطمأنت قليلاً ، وسكتت على تخوُّفٍ ، ترجو العافية ، وإن كانت عجوزاً ، ومن الذي لا يريدها ، أو يرجوها ؟! .
جهزت للرقية ماءً ، وطلبت كي أغطي العجوز ساعة الرقية رِدَاءً ، وبعد أن شَرِبَتْ الماء ، ووضعتُ عليها بيديَّ الكساء ، وشرعت في قراءة القرآن ؛ كلام ربنا الرحمن ، أخذتُ أسمع وشيش الثعبان ، وصوت صفيره ، كان صوتاً حقيقياً ، ولولا أني وضعت الغطاء بِيَدَي ، ورأيت العجوز بعينَي ، لظننت أن تحت الغطاء ثعباناً ، وليس إنساناً ! استمريت في القراءة وزاد الوشيش ، ثم بدأ الثعبان يتحرك ، ويتمايل تحت الرداء ويتلوَّى ، وأنا أعجب مما أسمع وأرى ، وأخذ يبتعد عني رويداً ، رويداً يريد الفرار ، وكلي عزم وإصرار على أن ألحق به ـ كما أضرها ـ الأضرار ، إذ لم يسبق أن قرأ عليها أحد القرآن ، فطلبت من ابنها ، وابن أخيها أن يعيدوها ، ومن الفرار أن يمنعوها ، فحاولوا ذلك جاهدين ، والمرأة العجوز تزحف نحو الباب بعزم متين ، وتقاوم للخروج بغير رجلين ، يقول لي ابنها : حرَّم علينا هذا الثعبان في البيت القرآن ، والأذان ، إذا سمع القرآن في المذياع ، أو الأذان ، قال : أغلقوه أو سأكسر رقبتها ! ، فنغلقه خوفاً عليها ، يتحكم فينا كيف يشاء ! .
أخذت أقرأ عليها عدة ساعات ثم أرسلتها لتستريح بقية ليلتها ، وفي اليوم الثاني قالت لي : لم يخنقني الجني ، فقلت لها : ألم أقل لك ، سأشغله بنفسه عنك ؟! .
في الليلة الثانية من ليالي العلاج شددت عليه في القراءة حتى ختمت سورة البقرة كلها ، فلم يُبدِ الجني الثعبان حركة أو مقاومة ، ولم يحاول هذه المرة الفرار ، بل كان مستسلماً ، وكان ابن أخيها يطل بين الفينة ، والفينة من تحت الرداء عليها ، ينظر وجهها ، وعينيها ، ويقول لي : سيتمزق فمها فقد فُتِحَ على آخره ، فكنت أطمئنه ، وأقول له : لا تخف لن يتمزق ، هذا حال الجني .
لم تنعم العجوز بنوم وراحة منذ أن صرعها الجني الثعبان إلا أيام الرقية هذه ، ولولا أن شَطَّ مزارها ، ولم تكن أَمَماً دارها ، لرقيتها دهراً ، ودافعت ثعبانها إلى أن يحكم ، ويفتح الله بيننا بالحق ، وهو خير الفاتحين .













